الدكتور محمد أحمد البرازي : أدباء كرد الشتات

أدباء كرد الشتات 

لا يشعر بشذى الورد وهو حبيس *** عطره يعم الأرجاء وهو طليق

كم من شاعر وأديب وكاتب وجدير من الكورد عاشوا وارتحلوا عن دنيانا دون أن نعلم بهم أو نستفيد من نتاجهم القيم، لكونهم عاشوا وقضوا نحبهم في حيز محدد أو في أجواء بعيدة عن أجواء وطنهم الأم، فكانوا كأن لم يكونوا، ولم تصلنا من أعمالهم سوى شذرات لا تفي بما كانوا عليه من مكانة عالية.

ما وصلتنا من أعمال كورد الاتحاد السوفيتي السابق إلا القليل مقارنة بما أنتجوه خلال الحقبة السوفيتية، ولهذا سببه الوجيه. حيث الستار الحديدي حينذاك، وكذلك التهجير القسري للكورد وتوزيعهم في أرجاء السوفييت الشاسعة. فكان عدد الكورد قبل الحقبة الستالينية يقدر بمليون ونصف كوردي، ولم يبقَ منهم سوى مائة وستة عشر ألفا فقط. وقد نشرنا بهذا الخصوص دراسات عن إبادة الكورد من قبل ستالين وما عانوه من بقي حيا منهم في الشتات.

بودنا إلقاء الضوء في هذه المقالة على كاتب وشاعر وصحفي كوردي من الحقبة السوفيتية حطت به الرحال في كازاخستان، ليعيش في الشتات إلى آخر أيامه، دون أن يتخلى عن العطاء لأمته رغم مشقة الحياة في محطته الأخيرة.

الشاعر حسن حجي سليمان

ولد شاعرنا حسن حجي سليمان في السادس والعشرين من شهر تشرين الثاني لعام 1951م في قرية تايتان التابعة لناحية فيدا آرارات في جمهورية أرمينيا السوفيتية، ترعرع في تلك القرية النائية وقضى طفولته هناك. فقد والده هو في الرابعة من عمره، بقيت العائلة دون معيل سوى والدتهم فاطمة، التي أثبتت جدارتها في تنشئة أطفالها تنشئة يشار إليها بالبنان. فكانت العائلة مكونة من خمسة أطفال، وكان شاعرنا الثاني في الكبر بعد أخيه حسين، ويليه أخوه عبد الرحمن، علاوة على أختيه بالتسلسل أمينة وأسيا. فنمت فيهم والدتهم محبة قومهم، كما شجعتهم على العمل الجاد والإخلاص فيه. فكانت تقص عليهم القصص الكوردية ليزيدوا ارتباطا بقومهم ولغتهم، وحثتهم على العلم، علما أن كورد الأرياف في ذلك الوقت، إن كانوا في أرمينيا أو جورجيا أو أذربيجان يعملون في الزراعة، دون أن يعيروا العلم ذلك الاهتمام المطلوب. خاصة أن الأوضاع الاقتصادية ساءت كثيرا أثناء الحرب العالمية الثانية وامتدت بعدها بفترة طويلة؛ ولكن فاطمة بجدها وبمساعدة أولاد أعمامها استطاعت أن تهيئ لأولادها مستقبلا يعتمد على الجهد الفكري أي اتخاذ العلم كوسيلة لكسب عيشهم، وبمختصر القول تعلموا وكسبوا عيشهم من وراء الجهد العلمي دون الزراعة التي كانت تثقل كاهل الريفيين الكورد كثيرا في ظروف اقتصادية غير مستقرة.

انتسب شاعرنا بعد إتمام دراسته الثانوية إلى جامعة أبفايان في يريفان، كلية إعداد المعلمين، بعد تخرجه من الجامعة العام 1975م عمل مدرسا للغة الكوردية والآذرية في عدد من المدارس. وكانت ميوله الأدبية ظاهرة منذ المرحلة الابتدائية، ونمى ميوله هذه طوال فترة دراسة، فكان أن أصبح شخصية له عدة جوانب كأديب وكاتب وصحفي وشاعر إضافة إلى مهنته التدريسية، كان يتردد على راديو يريفان الكوردية ليبث منها نتاجه الأدبي بالكوردية، وأيضا حظيت جريدة ريا تازه الكوردية بنشر مقالاته وأشعاره وغيرها من أعماله على صفحاتها.

أُجبرت عائلة حجي سليمان على مغادرة أرمينيا نتيجة الخلاف الذي نشب بين جمهورية أذربيجان وجمهورية أرمينيا السوفيتيتين أرغمت السلطات الأرمنية الكرد المسلمين إلى مغادرة أراضيها، وكانت عائلة شاعرنا من ضمن ما يزيد على عشرة آلاف عائلة كوردية مسلمة مهجرة قسرا من تلك الجمهورية. حل المقام للعائلة في جمهورية كازاخستان، ما أن حطت العائلة رحالها في قرية أشي بولاق منطقة إيلييسكي ريف ألمأتا، حتى بدأ شاعرنا في نشر نتاجه في جريدة كردستان الصادرة عن الفدراسيون الكوردي، وكذلك لم تحرم مجلة نوبار من عطائه الأدبي والفكري، فكانت كتاباته تنشر بين دفتيها أيضا هناك، وتعلم في وقت وجيز اللغة الكازاخية، فأضاف إلى مخزونه اللغوي هذه اللغة أيضا. كان يجيد الروسية والأرمينية والآذرية والكازاخية علاوة على لغة الأم. انتسب إلى نقابة الصحافيين الكازاخية. فيما بعد أصبح رئيس تحرير جريدة كردستان التي تغير اسمها إلى جينا كوردا إثر تغير اسم الفدراسيون الكوردي في العام 2004م من يكبون إلى بربانغ. ترأس شاعرنا جريدة كردستان من العام 1998م إلى آخر حياته.

كان عضوا في اتحاد كتاب كازاخستان إلى جانب عضويته في نادي القلم الكوردي (ب. ي. ن)، لنشاطه الفذ تم تكريمه من قبل اتحاد فدراسيونات جمهورية كازاخستان. وحصل على ميدالية بيرلك (الأولى) من قبل الحكومة الكازاخستانية في مهرجان تقيمه خصيصا لتكريم أدباء وكتاب وشعراء وأكاديميي الأقليات القومية تثمينا لدورهم في تمتين أواصر الصداقة والوحدة بين شعوبها وبين الشعب الكازاخي، كما تم تكريمه في التاسع من مايو/أيار العام 2013م من قبل جمعية الصداقة الكازاخستانية الكوردستانية (هيفي) لخدماته الجليلة في توطيد الصداقة والمحبة بين الشعبين الكازاخي والكوردي، وكذلك لتعليمه طلاب الكورد لغتهم الأم قراءة وكتابة بالأبجدية اللاتينية. وكان يحث الآباء والأمهات على تشجيع أولادهم في تعلم لغتهم الأم قراءة وكتابة. كان يملأ حقيبته الجلدية بالعديد من الجريدة الكردية (جيناكوردا) ويوزعها في القرى والأرياف على الكورد لكي يكونوا على تماس مع لغتهم.

لم تقتصر مشاركته في مجالات الأدب الكوردي على جمهورية كازاخستان؛ بل تعدتها إلى إقليم كوردستان في العراق الفدرالي؛ حيث شارك في المهرجانات الأدبية هناك، وتم تكريمه من قبل رئيس اتحاد الكتاب في دهوك السيد حسن سليفاني. كان شاعرنا إنسانيا قبل كل شيء، فبذل جهدا كبيرا من أجل توطيد الصداقة بين الأقليات في جمهورية كازاخستان مما حدا بالجميع إلى الإشادة بجهوده هذه والثناء عليه. فكان محبوبا لدى الجميع، وحظي باحترامهم الكبير له.

لفظ شاعرنا القدير حسن حجي سليمان أنفاسه الأخيرة في الحادي والعشرين من شهر تشرين الأول العام 2015م، وذلك في مدينة ألمأتا ، بعد أن ترك خلفه زوجة، لالازار، وولدين هما تليمان وإيلمان وابنة ليزا.

وأمد شاعرنا القدير المكتبة الكوردية الأدبية إرثا كبيرا في الشعر والرواية والمسرحيات والدراسات الأدبية والمقالات وغيرها من هذا القبيل، منها:

(قلبي) مجموعة شعرية ( 1995).

– (عشق الوطن) مجموعة شعرية (1996).

– ( الوطن يناديني) مجموعة شعرية.

– ( أمي) مجموعة شعرية.

– ( آهة قلب) مجموعة شعرية.

– ( مذلة قرية) ذكريات و خواطر.

– (وادي زيلان) دراسة.

– (شيخ محمود) مسرحية درامية.

-(شيخ سعيد) مسرحية درامية.

– (الحياة نضال) رواية.

وترجمت له قصيدة إلى العربية وهي:

لمن أشكي همّي؟

آلامي كثيرة لا تحصى.

وجروحي لا تطيب

إلى الأبد.

لمن أشكي همّي؟

هدّموا القرى والمدن

تركونا أسرى وفقراء

امتصوا دمائنا هؤلاء الأعداء

لمن أشكو همي؟

اغتصبوا وجودنا

نهبوا منازلنا

قتلوا أهلنا وأطفالنا

لمن أشكي همي؟

جعلونا أخوة أعداء

قلبوا نهارنا ليلا

قتلونا غدراً

لمن أشكي همي؟

إنهم يظلمون الكورد

يقتلونهم ويبيدونهم

تشردوا في كل أصقاع العالم

لمن أشكي همي؟
————————————————–
الدكتور محمد أحمد البرازي
ألمتا، جمهورية كازاخستان

عن piv

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.